ابن الجوزي

360

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

فصل [ 1 ] وكان من الحوادث عند مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم : تغيّر أحوال كسرى المسمى : أبرويز [ 2 ] : وكانت دجلة تجري قديما في أرض كوجى في مسالك محفوظة إلى أن تصب في بحر فارس ، ثم غوّرت وجرت صوب واسط فأنفق الأكاسرة على سدّها وإعادتها إلى مجراها القديم ، فغرم على ذلك أموالا كثيرة ، ولم يثبت السدّ . فلمّا ولي قباذ بن فيروز انبثق في أسافل كسكر بثق عظيم ، وغلب الماء فأغرق عمارات كثيرة ، فلما ولي أنوشروان بني مسنّيات [ 3 ] ، فعاد بعض تلك العمارة ، وبقيت على ذلك إلى ملك أبرويز بن هرمز بن أنوشروان ، وكان من أشد القوم بطشا ، وتهيأ له ما لم يتهيأ لغيره ، فسكر دجلة العوراء ، وأنفق عليها ما لا يحصى ، وبني طاق مجلسه ، وكان يعلق فيه تاجه ويجلس والتاج فوق رأسه معلق من غير أن يكون له على رأسه ثقل [ 4 ] . قال وهب بن منبه : وكان عنده ثلاثمائة وستون رجلا من الحزاة - وهم العلماء - من بين كاهن وساحر ومنجم ، وكان فيهم رجل من العرب يقال له : السائب يعتاف اعتياف العرب قلما يخطئ ، بعث به إليه باذان من اليمن فكان كسرى إذا حزبه أمر جمع كهّانه وسحرته ومنجميه فقال : انظروا في هذا الأمر ما هو . فلمّا أن بعث الله تعالى نبيّه محمدا صلى الله عليه وسلم أصبح كسرى ذات غداة قد انفصمت طاق من وسطها وانخرقت على دجلة العوراء « شاه بشكست » يقول : الملك انكسر . ثم دعا كهّانه وسحرته ومنجميه ودعا السائب معهم ، فأخبرهم بذلك ، وقال : انظروا في هذا الأمر فنظروا ، فأظلمت عليهم الأرض فتسكعوا في عملهم ، فلم يمض لساحر سحره ، ولا لكاهن كهانته ، ولا لمنجم علم نجومه .

--> [ 1 ] بياض في ت مكان « فصل » . [ 2 ] هذا في الكامل 1 / 371 وما بعد ( ما رأى كسرى من الآيات ) . [ 3 ] المسنيات : جمع مسناة وهو السد . وفي الأصل : « منسبيات » . [ 4 ] ألوفا الباب الثاني عشر من أبواب ذكر نبوته صلى الله عليه وسلم .